ابن جزار القيرواني
19
كتاب في المعدة وأمراضها ومداواتها
صنوف في العلل ، فكلما أجبتهم لم يفقهوا قولي . فقلت لهم : انما أنتم بقر وليس معكم من الانسانية إلّا الاسم . فبلغ الخبر أبي عبد الله فلما دخلت عليه قال لي : تقابل اخواننا المؤمنين من كتامة بما لا يجب وبالله الكريم ، لولا أن عذرك بأنك جاهل بحقهم ، وبقدر ما صار إليهم من معرفة الحق وأهل الحق لأضربن عنقك » . والذي أعتقده أن الحكاية هذه أيضا من اختلاق الإسرائيلي الذي ربما فكر في أهل كتامة ما قاله ، ولكنه لم يقله ، إذ لا يعقل أن يقوم بذلك وهو غريب مصري ، بين قوم من الأشداء البطاشين المتنفذين . ولكن القصة هذه تصف مقدار الجهل والتفاهة اللتين كانتا سائدتين في بلاط امراء الفاطميين وحاشيتهم ، كما أن ذكر ابن الجزّار لهذه القصة بالذات يؤكد على أن نظرته إلى أولئك الناس كانت مثيلة لنظرة أستاذه ، فلا عجب وهو رجل العلم والفضيلة أن ينزوي ويبتعد عن تلك المجتمعات . وتروي حادثة تؤكد وجهة نظري هذه ذكرها ابن جلجل 30 وعنه أخذها ابن أبي أصيبعة 31 « قال الذي حدثني : فكنت عنده ضحوة نهار إذ أقبل رسول النعمان القاضي بكتاب شكره فيه على ما تولى من علاج ابنه ، ومعه منديل بكسوة ، وثلاثمائة مثقال . فقرأ الكتاب وجاوبه شاكرا ولم يقبض المال ولا الكسوة ، فقلت له : يا أبا جعفر رزق ساقه الله إليك . قال لي : والله لا كان لرجال معد قبلي نعمة » . كذلك إذا عدنا إلى مقدمات كتبه وجدناها تختلف عن العادة المتبعة من قبل المؤلفين في ذلك الزمان . فلقد اعتاد هؤلاء اهداء كتبهم إلى الأمراء والسلاطين مع سيل من المديح ، كذلك فقد كان بعضهم يمتدح نفسه شارحا الصعوبات التي لاقاها في جمع تلك المعلومات وتصنيفها الخ . . . أما ابن الجزار فلا نجد عنده شيئا من هذا . إذ يبدأ كتابه « سياسة الصبيان وتدبيرهم » 32 هكذا : « باسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . قال أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد : ان معرفة سياسة الصبيان وتدبيرهم باب عظيم الخطر ، جليل القدر . . » .